إزالة الصورة من الطباعة

ماذا يقول محاورو أصحاب "الفكر المنحرف" عقب تفجيري غزة؟

يُعرف على قطاع غزة وفلسطين عمومًا وسطية الفكر الإسلامي؛ إلا أن السنوات الأخيرة كشفت اتجاه بعض الشباب نحو التكفير والتطرف؛ ما دفع بعضهم نحو أفعال تخريبية أودت –مؤخرًا- بحياة ثلاثة من عناصر الشرطة.

لم يكن هؤلاء "المنحرفين" بعيدين عن ميادين المعالجة التي تنفذها وزارة الداخلية بغزة، فقد أجرت أكثر من مرة حملات اعتقال في صفوفهم؛ واضعةً إياهم في "محاضن علاجية شرعية" بهدف توعيتهم وتبصيرهم، وفق ما تحدث به علماء لوكالة "صفا".

ويؤكد هؤلاء العلماء ضرورة اعتماد معالجة شاملة في التعامل مع أصحاب الفكر المنحرف من أجل محاصرتهم والحد من انتشار أفكارهم، محذرين من تغييب المعالجة الفكرية والاعتماد فقط على المعالجة الأمنية.

الشيخ نصر فحجان أحد العلماء المحاورين للمنحرفين فكريا يقول لـ "صفا" إن دورًا فكريا ودعويًا كبيرا بُذل في هذا الجانب من قبل حركة حماس بمرافقة الدور الأمني لوزارة الداخلية بغزة.

ويذكر فحجان أن العلماء من أهل الفكر والفقه كانوا يزورونهم في السجون وفي بيوتهم عقب خروجهم؛ من أجل محاورتهم وتبصيرهم بما أشكل عليهم من فهم في أمور الدين.

وتتم الحوارات مع هؤلاء عادةً داخل سجون الأمن الداخلي، وتوقفت منذ ثلاثة شهور، بسبب عدم التزامهم بما تعهدوا به خلال فترة خروجهم من السجن وممارسة أعمال عنف تضر بالمجتمع الفلسطيني، وفق مصدر مطلع لوكالة "صفا".

ويلفت فحجان إلى أنهم "لا يؤمنون بك حتى يقتنعوا بما تقول (في إشارة لرفضهم الاستماع للعلماء)؛ فهم يعتبرون أنفسهم على الحق وأنت كافر، وهم امتدادهم للخوارج الذين ظهروا بعهد الصحابة".

منفذا التفجيرين

ويخلص بعد مجالسة أصحاب الفكر المنحرف بالقول: "هؤلاء الناس لا يقتنعون بالمحاورة"، إلا أنه يستدرك: "لا نريد أن نستبعد المحاورة؛ لكن مع الضغط؛ فبدون قوة لا يمتثلون للحق".

ويضيف فحجان: "التعامل الأمثل هو التعامل الأمني وأن يكونوا تحت المراقبة والمحاسبة القانونية دون تغول"، مشيرًا إلى أن هناك "عائلات حبسوا أولادهم وباتوا مراقبين من العائلة".

ويكشف أن منفذي التفجيرين الأخيرين كانا قبل أشهر معتقلين في وزارة الداخلية وحسن سلوكهم، ما دعا لإطلاق سراحهم، "هم أظهروا ذلك من باب النفاق والمخادعة"، القول لفحجان.

وينوه فحجان إلى أنهم مقتنعون أنهم على حق، فمهما كان العميل مخلصًا للاحتلال فهو لا يفجر نفسه، الأفكار هي الأخطر، فالاحتلال وأجهزة مخابراتية تغذي مثل هذه الأفكار فيهيئون لهم أنهم يعملون للدين.

ويرى مختصون أمنيون أن بصمات أجهزة مخابراتية كانت واضحة في بعض التفجيرات التي ضربت غزة، لتحقيق أهداف لم تُفلح الحروب أو مخططات سابقة للفوضى بتحقيقها.

أسلوب "التقية"

ويقول الشيخ عمر نوفل والذي رفض مواصلة هذه المحاورات مع أصحاب الفكر المنحرف إن "متابعتهم دعويًا خاطئة فالمسألة ليست انحراف فكري بل سقوط وانحراف أخلاقي".

ويضيف نوفل لوكالة "صفا": "هذا الإنسان الضعيف الذي وقع فريسة للفكر المتشدد؛ لا يمتلك قدرات فيحاول إثبات نفسه، ما يجعله عرضة ليكون تابعا لمخابرات إسرائيلية أو خارجية".

ويتمنى أن "توجّه للكثرين منهم تُهمًا بناءً على ما اقترفه ليبقى رهيبة السجن، وألا يؤثر ويفسدوا على المحيطين بهم، ففعلهم ليس له علاقة بالإسلام والدين وفهمه".

وينوه إلى أنه عقب محاورتهم في جلسات فردية وجماعية تم كتابة توصيات بخصوصهم، وأرسلنا للمساجد القريبة لهم لمتابعتهم وتبين أنهم يتهربون، ويتبعون أسلوب "التقية" والخداع لتكرارهم ذات الأفعال.

ويلفت نوفل إلى أن هؤلاء الشباب "لا يعلمون بالفقه أو العقيدة أي شيء، ويتداولون كتبًا قليلة فيما بينهم ليعتبروا أنفسهم مؤمنين والكل كافر من حولهم".

ويشير إلى أن الغالبية العظمى منهم "لم يتربوا في المساجد، وثبت عليهم سلوكيات خاطئة والجزء الأكبر فاشلون في حياتهم ومنهم "متعاطي الأترامادول، وتجار مخدرات".

أسباب الانحراف الفكري

ويحدد الشيخ الداعية وجدي الحميدي سبعة أسباب للانحراف الفكري في قطاع غزة، أولها: "شيطنة المجتمع، وإبراز بعض المظاهر كظواهر توازي في خطورتها الكفر".

ويذكر الحميدي في منشور على حسابه في فيسبوك أن من يتولى كبر ذلك الأمر بعض الدعاة فاقدي الفهم والاتزان، وآحاد الدكاترة الذين يصورون بعض المعاصي تصويرا أكبر من حجمها، ويلمزون العصاة وكأنهم طغاة.

ويضيف: "حتى صار الشاب الملتزم التزاما عاطفيا يرى أن غزة تسبح في بحر من غضب الله، وأن هناك منهجية تخطط وإدارة ترعى هذا الانحدار -حسب زعمهم- وتستحق المعاداة".

وثانيًا –وفق الحميدي- غياب فقه الجهاد، وفقه التعامل مع الآخر، وغياب فقه الموازنات، فيما ثالثًا: سرد القصص التاريخية مجردة من التحقيق ودون تبيين أن الأحكام الشرعية لا تؤخذ منها، وأن تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال تلعب دورا بارزا في تغيير الأحكام.

ويضيف رابعًا: ملاحقة اجتهادات فصائل المقاومة بالذم خاصة فيما يتعلق بموقفها وسياستها في التعامل مع الدول المانحة سلاحا أو مالا مثل إيران، وتصوير التعامل معها بأنه تنازل عن الأخلاق، وتخلي عن التوحيد، "حتى صار من لا يحسن الوضوء يفتي في قضايا تخص مصلحة قضية ومستقبل أمة".

ويتابع الحميدي: "تصوير حكومة المقاومة بأنها ترعى تشريعات محادة للشرع، متناسين رعايتها للجهاد وحمايتها للفضائل وتحجيمها لبعض التشريعات السابقة التي حللت الحرام علنا، متناسين أن الحكومة القائمة تعيش مرحلة تحرر وتكوين، لا مرحلة استقرار وتمكين".

أما سادسًا: "التساوق مع تفاهات التكفيرين، والتغني ببعض عملياتهم في الخارج يسهل على الجيل تبني أفكارهم رويدا رويدا"، وفق قوله.

أما أخيرًا: "تبني الفتاوى المتشددة التي لا تقيم وزنا للخلاف وأدبه، وأغلب الفتاوى الحجازية فتاوى تجعل من المسألة المختلف فيها اختلافا معتبرا تجعل منها مسألة لا تقبل النقاش مثل قضية الموسيقى وغيرها".