وزير الخارجية رياض المالكي إزالة الصورة من الطباعة

وزارة الخارجية.. دبلوماسية غارقة في وحل "التنظيم"

تتسارع يومًا بعد آخر وتيرة اعترافات الدول ونقلها لسفارتها في الكيان الإسرائيلي إلى القدس المحتلة، في ظل تقاعس واضح، وفق مختصين، لوزارة الخارجية الفلسطينية.

ومؤخرًا اعترفت هندوراس بالقدس عاصمة للكيان وسبقها في ذلك الولايات المتحدة وباراجواي والتشيك ورومانيا، وسط سعي إسرائيلي محموم لاستمالة البرازيل وأوكرانيا لذلك.

تأتي هذه الخطوة ضمن خطة استراتيجية إسرائيلية لفرض الأمر الواقع على المدينة المقدسة، واختارت الإدارة الأميركية ورئيسها دونالد ترمب الذكرى السبعين لنكبة الشعب الفلسطيني لبدء تقديم هذه "الهدية" للحليف الإسرائيلي.

ويقول مختصان في الشأن الدبلوماسي إن هناك ضعفًا وقصورًا ينتاب عمل وزارة الخارجية الفلسطينية داخليًا وخارجيًا عند مقارنتها بدولة الاحتلال ونفوذها الواسع في العالم، يرافق ذلك وجود الانقسام الذي أضعف تمثيل الفلسطينيين في العالم.

ويوضح المختص والباحث السياسي محمد العيلة أن هنالك صورة سلبية لدى عموم أبناء شعبنا الفلسطيني حول عمل السفارات، "وهي لم تأتِ من فراغ إنما من تواتر عشرات القصص حول فساد السفارات الإداري والسياسي".

ويضيف العيلة لوكالة "صفا": "يشكل احتلال فلسطين عامل دفع لتنشيط عمل وزارة الخارجية وليس عائقًا أمامها، وهنالك عديد من مظاهر ضعف الدبلوماسية الفلسطينية ومسبباتها كتداخل العمل التنظيمي لحركة فتح مع العمل العام للوزارة".

ويَذّكر–على سبيل المثال- تدخل اللجنة المركزية لفتح متمثلة في مفوضية العلاقات الدولية في التخطيط والتوجيه بعمل السفارات؛ إضافة للتداخل الإداري كتعيين رئيس دائرة أمريكا اللاتينية في مفوضية العلاقات الدولية لحركة فتح بدرجة سفير بقرار رئاسي لتسهيل مهامه، في حين أنه يعمل لدى فتح وليس الوزارة.

الدبلوماسية الرقمية

ومن معالم هذا الضعف –وفق العيلة- عدم مواكبة الوزارة لتطوير أدوات العمل الدبلوماسي، ففي الوقت الذي يتقدم الكيان الإسرائيلي في مجال الدبلوماسية الرقمية، تأتي فلسطين متأخرة في المرتبة 78 عالميًا، على الرغم من أننا بأمسّ الحاجة لها كونها تسمح بالوصول إلى أكبر شريحة من المستهدفين وبتكاليف أقل من الدبلوماسية التقليدية.

ويضيف: من المظاهر البارزة للضعف، التراجع المستمر في التصويت لصالح فلسطين في مؤسسات الأمم المتحدة، وضعفها في إصدار قرارات تُدين الانتهاكات الإسرائيلية، واعتمادها بشكل أساسي على الدفاع داخل هذه المؤسسات.

وينوه إلى كثرة التفاصيل القابلة لطرحها في تلك الأروقة لاستصدار قرارات إدانة للاحتلال، سواءً تلك في المناهج الإسرائيلية التي تحرض على العنف وصولًا إلى القضايا الكبرى.

 ويلفت العيلة إلى أن حادث اغتيال الشهيد عمر النايف كشف عن عورة الدبلوماسية الفلسطينية وحجم انكشاف الفلسطيني في الخارج، كون المفترض من السفارات أن تحمي الفلسطيني لا أن تكون يدًا وعينًا عليه.

يُذكر أن الجبهة الشعبية اتهمت بوضوح بعض من العاملين في السلك الدبلوماسي بالتآمر على اغتيال الشهيد النايف في بلغاريا.

لا أسس منهجية

ويرى العيلة إلى أن سلوك وزارة الخارجية الفلسطينية لا يُشير إلى أنها تعمل وفق أسس منهجية، "ومن بديهيّات التخطيط لوزارة خارجية شعب نصفه مشتت أن ينشط عمل الوزارة في أماكن تواجد الفلسطيني، لرعاية مصالحه، ولتوظيف قدراتهم في مشروع التحرير والدولة".

ويوضح في هذا الجانب، أن من مظاهر فشل الوزارة، أن دولة هندوراس، التي افتتحت مكتب تجاري لها في القدس المحتلة، يوجد بها ثاني أكبر جالية فلسطينية في أمريكا اللاتينية بقرابة 200 ألف فلسطيني أي ما يعادل 3% من سكان هندوراس.

ويلفت إلى أن من الفلسطينيين من وصل لرئاسة هندوراس مثل كارلوس فاكسويه عام 1998 ومنهم من شغل مواقع حساسة أخرى، "ومع ذلك تأخرت الوزارة في تأسيس علاقات رسمية مع الدولة وتعيين سفير لها حتى أواخر عام 2013".

ويلفت إلى أن هندوراس رغم أنها اعترفت بدولة فلسطين عام 2011، إلا أنه في 13 سبتمبر 2013 قدم السفير الفلسطيني (محمد سعادات) أوراقه كسفير لديهم.

ويشير إلى أن منهجية العمل المتبعة، فيها إيلاء حجم كبير من الجهد لقضايا الشأن الداخلي، "كمتابعة المعارضين بشكل أمني أو التضييق عليهم أو توظيف السفراء للعمل ضد الأحزاب الفلسطينية الأخرى نتيجة هوس الاستئثار بالتمثيل الفلسطيني"، وفق تعبيره.

ويعتقد أن "مما يضيق هامش عمل وزارة الخارجية مركزية القرار لدى (الرئيس) أبو مازن، خصوصًا في ظل إقصاء كل من يخالفه، مما يشكل ارهابًا للعاملين، وتقليل تنوع الآراء من حوله مما يقود إلى عمل وفق الأهواء لا وفق لما هو مخطط".

ويعد وزير الخارجية رياض المالكي منفذًا لسياسات رئيس السلطة محمود عباس ولم يخرج عن هذه العباءة طوال السنوات التي تقلد فيها وزارة الخارجية في الحكومات الفلسطينية المتعاقبة.

ويلفت العيلة إلى غياب الشفافية في تعيين موظفي السلك الدبلوماسي، "لعدم وجود امتحان سنوي للراغبين في الانتساب، أو إشهار للملتحقين الجدد، وهو ما يخلق قابلية لدى بيئة عمل الوزارة في المحسوبية والفساد عبر تعيين الأقارب والأصدقاء.

وكشفت تسريبات صحفية عن تعيين أبناء رموز في السلطة في السفارات فور تخرّجهم أو حتى أثناء دراستهم، وشبهات أخرى تتعلق بتأثير العلاقات الشخصية على التعيينات كتعيين أزواج كسفراء في دولتين أوروبيتين، وتربطهم صلة قرابة بمساعد وزير الخارجية، وبأحد أركان مفوضيّة العلاقات الدولية لحركة فتح.

وحدة القوى السياسية

أما الباحث والأكاديمي أحمد قاسم حسين، فيؤكد أن بناء علاقات دبلوماسية مع الدول والفاعلين الدوليين من غير الدول كالأحزاب والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية مهم جدًا بالنسبة لأي حركة تحرر وطني.

ويلفت حسين الذي يدير تحرير مجلة سياسات عربية لوكالة "صفا" إلى أن منظمة التحرير منذ تأسيسها في ستينات القرن الماضي نسجت شبكة من العلاقات مع الدول وحركات التحرر وقدمت لها الدعم المالي والسياسي والعسكري في محطات مهمة من نضالها.

وينوه إلى أنه مع توقيع اتفاق أوسلو دخلت القضية الفلسطينية في مرحلة جديدة من علاقاتها الدولية القائمة على تمويل ودعم السلطة الفلسطينية التي ستكون بمثابة نواة للدولة الفلسطينية الموعودة إلا أن سياسات الاحتلال حالت دون ذلك.

ويوضح حسين أن ذلك الواقع "فرض على المنظمة التزامات دولية حالت دون امتلاكها المرونة الكافية للتحرك على المستوى الدولي".

ويشير أيضًا إلى أن الانقسام الفلسطيني عقد من صعوبة التمثيل الفلسطيني دوليا وباتت العلاقات الفلسطينية مع محيطها الإقليمي محكومة بثنائية سلطة حماس وسلطة رام الله.

ويؤكد أن تمثيل الفلسطينيين ومصالحهم لا يكون إلا عبر وحدة القوى السياسية الفلسطينية أو الاتفاق على برنامج سياسي واحد على أقل تقدير، مشيرًا إلى أن "لكل فصيل اليوم دائرة علاقات خارجية ويتصرف وكأنه دولة"، وفق تعبيره.

يضاف إلى ذلك –وفق حسين- وجود إدارة ترمب التي تعمل على تمرير مشروع تسوية على الفلسطينيين ضمن ما بات يعرف بـ "صفقة القرن" وتنفيذه سلسلة من الإجراءات التي تستهدف فكرة الكيان الفلسطيني مع إغلاق مكتب المنظمة في واشنطن ونقل السفارة الاميركية الى القدس والاعتراف بها عاصمة لـ "إسرائيل".

الفعالية الدبلوماسية

ويتوافق العيلة مع حسين بأن فعالية العمل الدبلوماسي الفلسطيني ترتبط بشكل أساسي بالوحدة وطي صفحة الانقسام الداخلي، والتوجه نحو بناء علاقات قوية ومتينة مع الدول العربية الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني مع موجة التطبيع التي تجتاح المنطقة، ومع الدول الأجنبية التي تناصر القضية الفلسطينية في المحافل الدولية.

ويضيف: "معالجة الانقسام أحد عوامل فعالية العمل الدبلوماسي كونه يوحد الطاقات ويقلل التصادم نتيجة الصراع على التمثيل، ويعزز الرقابة على الأداء، وهو يعزز بناء العلاقات مع الدول ويحسن من تموضع فلسطين اقليميًا ودوليًا".

ويعتقد العيلة أنه من المتوقع أن يستمر الاحتلال الإسرائيلي في تحقيق اختراقات على صعيد علاقاته الدولية وعلى حساب بلدان كانت صديقة تاريخيًا للشعب الفلسطيني، كالهند التي صوتت لأول مرّة هذا العام في الأمم المتحدة ضد المصلحة الفلسطينية، وبلدان أخرى كالصين والبرازيل والأرجنتين والبارغواي، ولا يتحمل هذا الوزر وزارة الخارجية وحدها وإنما الحالة الفلسطينية بشكل عام.

ويؤكد أن المطلوب هو الشفافية في تعيينات السلك الدبلوماسي وإطلاع الجمهور على موازنة وزارة الخارجية، وتفعيل رقابة الجمهور على عمل الوزارة.

ويُشدد المختص والباحث السياسي العيلة على ضرورة تطوير أداء الكادر عبر إنشاء معهد تدريب دبلوماسي، وإعادة هيكلية الوزارة لتناسب خصوصية الشعب الفلسطيني وتطلعاته وآماله.