الأخبار

الدعاية السيبرانية الإسرائيلية لمحاصرة مسيرات العودة الفلسطينية

11 تموز / يوليو 2018. الساعة 06:57 بتوقيت القــدس. منذ 5 أيام

أخبار » سياسي

تصغير الخط تكبير الخط

غزة - صفا

تستقصي الدراسة آليات الدعاية السيبرانية الإسرائيلية التي تستغل النشاط الاتصالي للمستخدم/الجمهور الفلسطيني عبر منصات التواصل الاجتماعي لإعادة "تدوير" الرسائل التي ينتجها بعد معالجتها دعائيًّا بما يتواءم مع أهدافها السياسية.

مقدمة

حتى ظهور منصات الإعلام الاجتماعي، ظلت الأجزاء المكوِّنة لمفهوم الدعاية ثابتة لا تتغير، سواء من حيث قصدية تنفيذها وخضوعها لمركزية التنظيم والتخطيط أو اقتصار ممارستها على جهات ذات إمكانات تحكُّم وسيطرة لوجستية ومالية، كالدول والأحزاب والمؤسسات العملاقة.

وفي حين بقيت الأهداف والبِنَى الأساسية متشابهة، فإن إنتاج الدعاية وتقنيات نشرها تغيَّرت بصورة ملحوظة في الآونة الأخيرة. فقد أدى ظهور الإنترنت، وما رافقه من حرية على صعيد استخدامه، إلى بروز مفهوم الإنتاج "الذاتي للدعاية".

كما أن تكنولوجيا الاتصال الحديثة، وما أفرزته من مواقع وشبكات اجتماعية، منحت الأفراد سلطة إنتاج ورعاية حملاتهم الدعائية الخاصة، متجاوزين بذلك حدود الرقابة والسيطرة التقليدية.

وهنا، يتضح أن تكنولوجيا الاتصال أوجدت ما يتخطى العولمة؛ فقد أفضت إلى نشوء دعاية أكثر خطورة قد تفكك الحدود السياسية والاجتماعية، وتتجاوز قدرات الدول على مواجهتها.

فالتكنولوجيا التي مكنت الأفراد من التواصل بطريقة مفتوحة ومجانية في "قرية عالمية"، تتجاوز عوائق العرق والطبقية، جلبت معها أيضًا شبكة متشعبة غير متحكَّم فيها، تعج بالدعاية والكراهية، وغيرها من السلوكيات السلبية.

إذن، غيَّرت الشبكات الاجتماعية من طبيعة الدعاية؛ إذ أضافت مستوى جديدًا من التعقيدات على مجالها.

فالولوج شبه العالمي للبيئة الرقمية منح فرصًا لا متناهية لتنفيذ حملات متنوعة من أجل التأثير في الأحداث بمجاليها: المادي والمعرفي.

ومع إدراك خطورة منصات الإعلام الاجتماعي وإمكاناتها الكامنة أخذ الاهتمام بهذا المجال بُعدًا آخر؛ إذ تحولت النظرة من كونها أداة تواصل إلى بيئة يُمكن استثمارها لتحقيق أهداف سياسية وأمنية وعسكرية دعائية؛ فمع حالات بعينها، نراها ساحة للدبلوماسية الرقمية، ومع أخرى مسرحًا للحرب السيبرانية، أو حتى ذراعًا للعمليات المعلوماتية. 

وكشف التوظيف الدعائي لشبكات الإعلام الاجتماعي عن أشكال وممارسات حديثة لم تكن مألوفة في السابق كالتصيد، والتلاعب بالخوارزميات، والقرصنة، والروبوتات الاجتماعية، وغيرها.

وكان لهذه الأساليب الدعائية العديد من التداعيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية حول العالم. وحيث إن هذه الدراسة تهتم بالدعاية السيبرانية، فهي تسعى إلى رصد ظاهرة دعائية جديدة وتأصيلها نظريًّا من خلال دراستها ومتابعتها في سياق بيئتها الفعلية من أجل فهم آليات اشتغال الدعاية الإسرائيلية الرسمية عبر موقع فيسبوك، وتتمثَّل في "التنقيب الدعائي" عبر منصات الإعلام الاجتماعي.  

الإجراءات المنهجية للدراسة 

أ- مشكلة الدراسة

خلال متابعة بعض الصفحات الرسمية الإسرائيلية الناطقة باللغة العربية على موقع فيسبوك، نلاحظ استغلالها للمحتوى الذي ينتجه نشطاء فعاليات مسيرات العودة في قطاع غزة من أجل تحقيق أهداف دعائية بحتة.

وسنجد آلية ممنهجة تقوم على رصد وتجميع المحتويين: المكتوب والمرئي، ومن ثم إعادة نشره على صفحاتها بعد معالجته دعائيًّا بشكل يتوافق وأهدافها السياسية.

وهو ما يمكن تسميته بـ"التنقيب الدعائي" الذي يصب في تفسير مفهوم إنتاج الدعاية لذاتها التي تعني باختصار: تكاثر وانتشار الموضوعات الدعائية بشكل تشعبي غير منتظم الاتجاه، حيث يصبح الجمهور فاعلًا في بنائها، متأثرًا بها، لا متلقيًّا لها فقط.

ومن ثم، تبحث الدراسة في ظاهرة التنقيب الدعائي ضمن سياق فعاليات مسيرات العودة في قطاع غزة من خلال تحليل المنشورات والصور التي نشرتها بعض الصفحات الإسرائيلية.

كما تسعى إلى تحديد الأجهزة الرسمية الإسرائيلية المسؤولة عن "التنقيب" وكيفية توظيفه وتحديد الفروق بينه ومفهوم الجمع الاستخباراتي مع بيان آثاره وسبل مواجهته.

ب- تساؤلات الدراسة

- ما المقصود بظاهرة التنقيب الدعائي؟ وما حدود تقاطعها مع أنشطة الجمع الاستخباراتي؟ وكيف يتم تطبيقها على مستوى الممارسة الدعائية عبر مواقع الإعلام الاجتماعي؟

- ما الأذرع الرسمية الناشطة في مجال التنقيب الدعائي عبر مواقع الإعلام الاجتماعي في إسرائيل؟

- كيف وظَّفت ماكينة الدعاية الإسرائيلية التنقيب الدعائي خلال فعاليات مسيرات العودة الكبرى في غزة؟ وما أساليب الدعاية الأخرى التي نشطت بموازاته؟

- ما تأثيرات ظاهرة التنقيب الدعائي على المستخدم/المتلقي الفلسطيني؟ وما سبل مواجهتها؟

ج- منهجية الدراسة وأدواتها 

اعتمدت الدراسة منهج دراسة الحالة بهدف جمع معلومات متعمقة عن الظاهرة في بيئتها الحقيقية. ويساعد هذا المنهج، بحسب جنيفر رولي (JenniferRowley)، الباحثَ في تزويده بمعلومات لا يمكن الحصول عليها بأساليب أخرى، كما يعتبر مناسبًا عند تركيز البحث على ظاهرة معاصرة ضمن سياق حياة واقعي.

وقد تم استخدام دراسة الحالة للتعرف على حقائق ظاهرة التنقيب الدعائي من خلال رصدها وتشخيصها وتحليلها للوصول إلى استنتاجات ومبادئ عامة، تسهم في تقديم تصور حول سبل مواجهتها. كما استعانت الدراسة أيضًا بمنهج التحليل النقدي للخطاب من أجل فهم الممارسات الخطابية للدعاية الإسرائيلية وتحديد الأطر الناظمة لها وقيمها وأبعادها الأيديولوجية.

ووظفت أيضًا أداة الملاحظة لفاعليتها في رصد سلوك عينة مجتمع الدراسة، وطريقة استخدامها للتنقيب الدعائي في محيطها الطبيعي؛ الأمر الذي يكفل الإجابة عن تساؤلات الدراسة بطريقة كيفية.

د- مجتمع الدراسة وعيِّنتُها

- مجتمع الدراسة: يتمثَّل في الصفحات الرسمية الإسرائيلية الناشطة على فيسبوك، والتي تستخدم اللغة العربية في توجيه خطابها للجمهور، مثل: صفحة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وصفحة منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية، يوآف مردخاي، وصفحة الناطق باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية، أفيخاي أدرعي، وصفحة إسرائيل تتكلم بالعربية التابعة لوزارة الخارجية، وصفحة المتحدث باسم رئيس الوزراء للإعلام العربي، أوفير جندلمان، وصفحة إسرائيل في الأردن، وصفحة إسرائيل في مصر...إلخ.

- عيِّنة الدراسة: تتمثَّل في أربع صفحات إسرائيلية، وهي: صفحة منسق أعمال الحكومة، وصفحة الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، وصفحة المتحدث باسم رئيس الوزراء للإعلام العربي، وصفحة إسرائيل تتكلم بالعربية. أما بخصوص الإطار الزمني للعينة فهو يمتد من 28 مارس/آذار إلى 30أبريل/نيسان 2018.

 التنقيب الدعائي عبر مواقع الإعلام الاجتماعي

أ- مفهوم التنقيب الدعائي

تشير كلمة "تنقيب" إلى عملية بحث ترتبط ذهنيًّا بأشغال التفتيش عن المعادن والموارد الطبيعية الثمينة. ولأن البيانات نفسها ذات قيمة عالية، فإن التنقيب عنها يشبه محاولات استخراج النفيس من باطن الأرض إلا أن التنقيب الذي نعنيه هنا لا يرتبط بالبيانات المجردة، بل يهتم بالآراء والمعلومات التي تحظى بقيمة دعائية؛ تلك التي يمكن استغلالها كرسالة للتأثير في الآخر.

فالدعاية، بحسب أليكس كاري (Alex Carey)، "جهود اتصالية يتم اختيار محتواها وشكلها لدفع الجمهور المستهدف نحو تبني مواقف ومعتقدات، هي في الأصل من اختيار راعي العملية الاتصالية".

ولو تفحصنا التعريف، سنلاحظ كلمة "اختيار"، التي تشمل جهدًا متسلسلًا ينطلق من "التحديد"، ثم "البحث"، فـــ"الانتقاء"، لينتهي بـــ"قرار البث أو إعادة تدوير الرسالة".

كما يتضمن كلمة "دفع" التي تشير إلى لون دعائي جديد لا يعتمد التوجيه الجماعي، بل المنفرد في توجيه رسائله؛ في استغلال جلي لخصائص تكنولوجيا الاتصال. فالدعاية تجاوزت مرحلة الخطاب الجمعي، وصارت تتعامل مع الأفراد كحزم منعزلة. ولكن، كيف يتم التنقيب الدعائي بلغة تكنولوجية؟

إن عملية البحث عن معلومات ذات أبعاد دعائية تحتاج إلى تقنية ذكية باستطاعتها استخراج المهم وتجاهل عديم القيمة. ويتطلب هذا الأمر، في خطوة أولى، تحديد الموضوعات التي يراد تجميع بياناتها، ثم حصر منشئها وجمهورها، وفحصها وفلترتها، لنصل إلى قائمة نهائية بالبيانات المطلوبة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عملية الجمع يمكن تقييدها بجغرافيا معينة لتستهدف مجتمعات شبكية بعينها.

الشكل رقم (1) يوضح خطوات التنقيب الدعائي في جمع البيانات

ولأن عملية جمع المحتوى تمنح القائم بالدعاية فرصة الاطلاع على معظم ما ينشره الجمهور، إلا أنها غير كافية بمفردها لتفسير كيفية استغلال ظاهرة التنقيب الدعائي للبيانات المختارة في إعداد رسائل دعائية.

ويمكن القول: إن الجهة أو القائم بالدعاية بعد انتقائه للمنشورات يعمد إلى تدويرها أو إعادة بثها بالمحافظة على جوهرها قدر الإمكان، أي يبحث عن تلك المنشورات الفردية التي توافق توجُّهه الدعائي ليعيد توجيهها باستخدام قنواته بعد تحديده للجمهور المستهدف. وتجدر الإشارة هنا، إلى استفادة الظاهرة من حالة العشوائية، وانعدام السيطرة المركزية على المعلومات؛ فالدول لم تعد مسؤولة حصرًا عن التحكُّم في تفاعلات أي صراع، أو تقييد تدفق معلوماته.

فالمواجهات الحديثة باتت تستدعي مشاركة واسعة من كل أطياف الشعب ليتحول الفرد من متلق سلبي إلى فاعل إيجابي، مستفيدًا من حرية النشر والتفاعل التي توفرها منصات الإعلام الاجتماعي، إلا أن هذه الإيجابية قد تتحول إلى نقطة ضعف ينفذ منها القائم بالدعاية.

الشكل رقم (2) يبيِّن خطوات توجيه الرسالة الدعائية بعد إتمام عملية الانتقاء

وتستدعي ظاهرة التنقيب الدعائي أيضًا إلى الذهن الجهود السيبرانية الموجهة نحو اختراق الشبكات والحواسيب وقواعد البيانات والحسابات البريدية للحصول على معلومات سرية، قد يمتلك بعضها قيمة دعائية، يمكن استغلالها في حملات موجهة ذات أبعاد سياسية.

ولنأخذ تسريبات ويكيليكس، على سبيل المثال، التي نشرت معلومات مصدرها رسائل بريد إلكتروني مقرصن للمرشحة الرئاسية الأميركية، هيلاري كلينتون، الأمر الذي أدى بجانب عوامل أخرى إلى خسارتها للانتخابات في 2016.

وهنا، نلاحظ أن مفهوم التنقيب لا يقتصر على المعلومات المستقاة من مصادر مفتوحة، بل يمتد ليشمل تلك المقرصنة من مصادر مغلقة. ولأن موضوع الدراسة يميل أكثر نحو المصادر المفتوحة، فالتنقيب الدعائي يسعى نحو معلومات متاحة، ومتداولة عبر منصات الإعلام الاجتماعي، يخطئ الخصم أو جمهوره -عن وعي أو دونه- في نشرها، وتُستغل ضده إما بكونها دليل إثبات، أو أنها ناتجة عن حالة جماهيرية عامة، ما يعني أن القائم بالدعاية يعتمد على جهل الجمهور، أو تلقائيته، أو عدم درايته بأبعاد ما يُكتب ويُنشر حول قضية ما. 

وبناء عليه، فعملية التنقيب في هذه الحالة هي رصد وتجميع المنشورات الشاذة، الصادرة عن نشطاء مسيرات العودة، لاستغلالها في إرساء دعاية مضادة، ترتكز على مبدأ مجابهة الدعاية لذاتها.

أي إنه نشاط غير تقليدي، يقوم على استغلال مساوئ ممارسات "الصحفي المواطن" في الميدان، للإفادة منها دعائيًّا، عبر إبراز المتناقض منها مع أطروحات المسيرات.

فالسلمية تتحول إلى إرهابية بمجرد الوقوع على منشور يجسد أفرادًا يحملون سكاكين، ويتوعدون "اليهود" بالذبح والثبور. والعودة تصبح فوضى بمجرد نقل تصريح يدعو لحرق المعابر. والمطلب الشعبي يتحول لمخطط إيراني بمجرد نشر مقولات تؤكد مساهمتها في تمويل الأحلام الفلسطينية، فالدعاية الإسرائيلية باتت تتغذى على ما ينشره الفلسطينيون، لا على اجتهادها الخاص.

من هذا المنطلق، نستطيع تعريف التنقيب الدعائي بـ"عملية اتصالية دعائية غير حصرية، بشرية-حاسوبية ذكية، مقصودة أو تلقائية، للتنقيب عن معلومات وآراء في مواقع الإعلام الاجتماعي، ينشرها أفراد أو مجموعات أو مؤسسات حكومية أو مستقلة، تعتنق فكرًا معينًا، بهدف استغلال الشاذ منها، في إعداد وتوجيه رسالة دعائية تمس أصل المعتنق بشكل يخدم أهداف القائم بالدعاية".

ويعكس التعريف عددًا من الخصائص التي تَسِم الظاهرة:

عملية غير حصرية بجهة ما، ويستطيع الجمهور والمؤسسات العامة تنفيذها إلى جانب الهيئات الرسمية.
تعتمد على جهل الفرد، أو تلقائيته وعدم درايته بالأبعاد الدعائية لما ينشر.
تستفيد من حالة اللامركزية وغياب السيطرة المعلوماتية التي تختص بها منصات الإعلام الاجتماعي.
تتقاطع مع المجهودات الاستخباراتية في توفير معلومات تصلح للاستخدام الدعائي.
تدمج بين الجهدين: البشري والآلي، لكونها تحتاج إلى جمع حاسوبي واختيار بشري، الأمر الذي لا يتأتى إلا بانصهارهما معًا.
تمتاز بالقصدية والعمدية في حال التخطيط والتوجيه المركزي، وبالتلقائية في أحيان أخرى، لارتباطها بممارسات جماهيرية عشوائية غير مقصودة، إلا أنها تمتلك من الوقع الدعائي الكثير.
تسمح للدعاية بإعادة إنتاج ذاتها بشرط تفاعل الجمهور المستهدف مع رسائلها، خاصة إذا سار التفاعل في الاتجاه الذي يرغب فيه القائم بالدعاية، واستطاع التحكم في موضوعاتها الناشئة، ومسار انتشارها وتشعبها.

الشكل رقم (3) يوضح آلية تطبيق التنقيب الدعائي عبر منصات الإعلام الاجتماعي

ب- التنقيب الدعائي وأنشطة الجمع الاستخباراتي

لا يمكن فهم التداخل بين ظاهرة التنقيب الدعائي وأنشطة "الجمع الاستخباراتي" إلا بتحديد مفهوم "الحرب الهجينة"، وهو تعبير عن صيغة مطورة لشكل الصراع، يشمل أساليب تقليدية وغير تقليدية، عسكرية وغير عسكرية، علنية وخفية، سيبرانية ومعلوماتية؛ بهدف إيجاد حالة إرباك وغموض حول طبيعة ومصدر هذه الإجراءات. ما يعني أن الحرب الهجينة تصهر أكثر من مستوى تنفيذي داخل بوتقة عملياتية واحدة، استجابةً منها لمتطلبات وتطورات مظاهر الصراع الدولي الحديث.

ولأن البيئة الافتراضية تحولت إلى ساحة مواجهة رئيسة، فالآثار التي تتسبب فيها المعلومات قد تؤثر في مسار تطور أي صراع، خاصة وأن إدراك الجماهير لنتائجه بات أهم من حقائقه التفصيلية الفعلية على الأرض.

وإذا نظرنا إلى الأزمة الخليجية كمثال، سنجد أن وكالة الأنباء القطرية تعرضت للقرصنة، ونشر مواد مزيفة ذات حمولة سياسية على منصتها، أوجدت ذريعة للسعودية والإمارات والبحرين ومصر لفرض حصار بري وجوي وبري ضد قطر. هذه الحالة مثَّلت دليلًا على كيفية المزج بين عملية القرصنة والجهد الاتصالي الدعائي في إيجاد واقع مزيف يخدم أغراض الجهة المخترقة على المستوى السياسي.

وفيما يتعلق بحدود العلاقة بين الجمع الاستخباراتي وظاهرة التنقيب الدعائي، فيمكن القول: إن الجمع الاستخباراتي هو "عملية لمراقبة الأنشطة والسلوكيات على شبكة الإنترنت من أجل الإحاطة بالمعلومات والبيانات الموجودة على الشبكات والتطبيقات الاجتماعية، بما يشمل بيانات الأفراد ومن يقفون خلفهم، ثم جمعها وتحليلها، للوصول إلى فهم ومعرفة عامة، أو مساندة مختلف الأنشطة الأخرى، كالاستهداف". أي إن الأجهزة الاستخباراتية المختصة تنفذ عدة أنواع من التحليل المحوسب بهدف تسخير بعض نتائجها في جهود الدعاية، خاصة في مجالات تطوير مضمونها، أو تحديد جمهورها، أو التحكُّم في مدى كثافة ورقعة انتشار رسائلها.

الشكل رقم (4) يبين أنواع الأنشطة الدعائية وتأثيرها في مواقع الإعلام الاجتماعي

ويتضح من السابق أن الممارسة الدعائية الحديثة عبر الشبكات لا تستقيم إلا بتقاطعها مع أنشطة البحث وجمع المعلومات؛ ما يعني أن مفهوم التنقيب الدعائي وأنشطة الجمع الاستخباراتي تعبير عن شيء واحد من الناحية التقنية؛ فكلاهما يستخدم ذات البرامج والوسائل، إلا أنهما يختلفان من الناحية الوظيفية. فالأول يستهدف معلومات وآراء شاذة لأغراض وأهداف دعائية بحتة، بينما يسعى الثاني نحو كل أنواع المعلومات، سواء بأسلوب علني أو خفي من أجل دعم مجهودات سياسية أو عسكرية أو أمنية، أو حتى دعائية. ومن هنا نستنتج، أن الجمع الاستخباراتي أشمل، ويمكن أن يستوعب التنقيب الدعائي وليس العكس.

الشكل رقم (5) يوضح مستويات تأثير الجمع الاستخباراتي

التنقيب الدعائي في إسرائيل

تمثِّل الدعاية في إسرائيل حالة فريدة بدءًا من التسمية وانتهاءً بالجهات الناشطة فيها. فمصطلح "الهاسبارا" (Hasbara)، على سبيل المثال، مصطلح عبري، يعني الشرح والتفسير، اعتمدته إسرائيل كنوع من التحايل والالتفاف على تسمية "الدعاية"؛ حيث ترى أن الاسم يعكس نشاطًا سلبيًّا يتعارض مع قيم ومبادئ الديمقراطية لديها.

إلى ذلك، تتنوع الجهات الحكومية التي تزاول الدعاية داخل إسرائيل، وهي مهيكلة بطريقة تسمح لمعظم الهيئات والأفرع بممارستها ضمن أنماط اشتغال منسقة، بحسب مجال ونطاق اختصاصها. كما يقوم بعضها، على رعاية جهود جماهيرية داخلية وخارجية لدعم أنشطتها المركزية.

وبالعودة إلى الخصائص، نجد أن التنقيب الدعائي جهد اتصالي تستطيع الحكومات والأفراد القيام به، لكن بدرجات وأشكال متفاوتة. ولأن جهود التأثير في إسرائيل مركزية، فعملية جمع البيانات قد تتخذ شكلًا حكوميًّا كونها تتطلب شرعية قانونية وإمكانات كبيرة؛ من غير المتاح للجمهور الحصول عليها.

وفي إسرائيل توجد عدة أجهزة تنفيذية تهتم بالمعلومات، وجمعها وتحليلها، لأغراض الدعاية السيبرانية. كما أنها تتفاوت في طريقة تنفيذ التنقيب الدعائي؛ فمنها ما يقوم بالعملية برمتها بدءًا من جمع المعلومات وانتهاءً باستغلالها، ومنها ما يقوم باستغلالها بعد أن تقوم جهة أخرى بتوفير المعلومات. لذلك، فمفهوم التنقيب الدعائي لدى الأذرع الإسرائيلية، يقوم على مبدأ التكامل والتقاطع في المهام، بشكل يتسق وإدارة الدعاية المركزية.

أ- أذرع حكومية ومدنية

ترى إسرائيل نفسها مسؤولة عن شؤون اليهود حول العالم، لهذا أنشأت وزارة "شؤون الشتات"، التي تُعنى بتعزيز العلاقة معهم وتحقيق الاستفادة منهم.

 كما أن للوزارة مهام دعائية تقوم على مواجهة أنشطة "معاداة السامية" عبر رفع منسوب الوعي حولها، وتفعيل التزام الأفراد والهيئات والحكومات الأجنبية في مواجهتها، إضافة إلى إعداد تقارير ودراسات دورية ترصدها عالميًّا؛ كما تعمل على إقامة وتعزيز العلاقات مع المجتمعات التي ترحب باليهود من خلال رعاية أنشطة ثقافية وسياحية وتعليمية...إلخ، تعود بالنفع على جهود إسرائيل في مكافحة "اللاسامية" من جهة، وتحسين صورتها من جهة أخرى.

إضافة لما سبق، تحاول الوزارة استثمار قدرات المستقدمين إليها عبر توظيف قدراتهم اللغوية المتنوعة في أنشطة الدعاية؛ وعادةً ما يجري تنسيق مسبق بينها والوكالة اليهودية بهذا الشأن، خاصة أن محاولات بحثها عن كل من له علاقة بالديانة اليهودية حول العالم قد اشتد في الآونة الأخيرة.

وفيما يخص التنقيب الدعائي، يشير موقع (BigNewsNetwork) إلى تطوير الوزارة لنظام يتيح رصد أنشطة معاداة السامية عبر المواقع الاجتماعية، ويستهدف أيضًا المواقف المعادية لإسرائيل على مستوى العالم.

لأجل ذلك، قامت بإنشاء مركز قيادة يُعنى بمراقبة الأنشطة المشار إليها وجمع معطياتها وتحويلها للجهات المعنية لاتخاذ الإجراءات بشأنها، ومن غير المعروف ما إذا كانت الإجراءات تشمل الاستغلال الدعائي من عدمه، لكن ما نستنتجه أن أنشطة الوزارة على علاقة بسياسة "تكميم الأفواه"، وإسكات أي صوت معارض بحجة معاداة السامية. وفي هذه السياسة روح دعائية، لأنها تؤدي إلى هيمنة رواية واحدة.

بدورها، تهتم وزارة الشؤون الاستراتيجية والمعلومات بمواجهة جهود نزع شرعية إسرائيل على المستويين العالمي والمحلي، خاصة أنشطة حركة المقاطعة، وحركات مناهضة الاستيطان. وتضم الوزارة ثلاث إدارات، هي: الاستخبارات، وتهتم بمراقبة وجمع المعلومات عن حركات المقاطعة وناشطيها، إضافة للشخصيات والمجموعات التي تساندها، بالاعتماد على مصادر مفتوحة أو سرية، ميدانية وسيبرانية؛ وإدارة الوعي التي تنشط في التأثير على توجهات وسائل الإعلام الدولية أو الجمهور عبر مواقع الإعلام الاجتماعي، وإدارة العمليات التي تعمل على تنفيذ الخطط المقررة.

وفيما يتعلق بالتنقيب الدعائي، تقوم الوزارة على تحليل المواقع الاجتماعية، من حيث المحتوى، والبنية الشبكية والتكنولوجية، إضافة لرصد مراكز الثقل والتركيز، وتحديد الأفراد والمؤسسات والصفحات الناشطة، كما تقوم بدراسة أساليب وأنماط الحملات بهدف تشكيل رؤية لمواجهتها.

ولا تنتهي أنشطة الوزارة عند الرصد والتتبع، بل تعمل على توظيف المعلومات في جهود اتصالية دعائية ميدانية وسيبرانية، وتقوم أيضًا بالتحريض ضد نشطاء هذه الحركات محليًّا وعالميًّا، وتتخذ لأجل ذلك إجراءات قانونية من قبيل منع دخولهم إسرائيل؛ حيث نجحت في تمرير قانون عبر الكنيست يفرض عقوبات على المؤيدين لها، أو من يعتنقون أفكارها، حتى لو كانوا مواطنين إسرائيليين.

ويؤكد موقع (MiddleEastEye) أن جزءًا من تركيز الوزارة ينصب على الجمهور الداخلي لرغبتها في نزع الشرعية عن أي حراك معارض للاستيطان. 

كما تجتهد الوزارة في إنشاء أذرع وكيانات داعمة لإسرائيل عالميًّا، وتنظم فعاليات تبادل علمي وثقافي ورياضي، ناهيك عن فتح آفاق تعاون مع شخصيات وهيئات ذات تأثير يمكن استغلالها لاحقًا.

وليست هذه الأنشطة مجتمعة إلا استجابة لمعطيات "التنقيب"، توظفها الوزارة في صياغة استراتيجية اتصالية تساعد على ترجيح كفة إسرائيل في الدول التي تتعاظم داخلها جهود تشويهها.

فعلى سبيل المثال، تلقت الوزارة، عام 2018، مبلغ 37 مليون دولار، لإنشاء مؤسسة تدعى (KellaShlomo)، تختص بتنفيذ "أنشطة وعي جمعي" عبر المواقع الاجتماعية، وذلك باستخدام أساليب شبكية معقدة تشتمل على أنماط دعائية خفية وعلنية.

وبهذا الخصوص، قام متطوعون مؤيدون لإسرائيل، خلال حرب 2014 على غزة، بتزييف مجموعة من الحقائق والتلاعب بعدد من الصور الفوتوغرافية، ونسب اقتباسات مؤيدة لإسرائيل إلى شخصيات شهيرة، أو اتباع أسلوب "التصيد" بغرض توجيه اتهامات لنشطاء مناصرين للفلسطينيين بمعاداة السامية.

وبخلاف مهمتها الرئيسية في إقامة جسور الاتصال الدبلوماسي مع الحكومات والكيانات الرسمية حول العالم، تهتم وزارة الشؤون الخارجية بتنظيم جهود تحسين صورة إسرائيل على الصعيد الخارجي من خلال إدارة الدبلوماسية العامة التي تضم أقسامًا للشؤون الإعلامية والثقافية والعلمية والرقمية، وإدارة الإعلام والعلاقات العامة التي ترعى عددًا من الصفحات الاجتماعية، أهمها صفحة إسرائيل تتكلم بالعربية.

والحقيقة، أن آلية عمل الوزارة تجمع بين الصيغتين التقليدية والمستحدثة. فهي من جهة، تقومه على تنفيذ مهام إعلامية رسمية كجزء من استراتيجية الوزارة الاتصالية نحو الخارج، ومن جهة أخرى، ترعى تنظيم وتوجيه أنشطة موجهة للجمهور بنكهة "دبلوماسية" بعيدًا عن البروتوكولات الرسمية التقليدية. ويسمى هذا الجهد بـــ"الدبلوماسية العامة"، وله وجه سيبراني "الدبلوماسية الرقمية" أو الهاسبارا 2.0.

إضافة لما سبق، تنخرط إدارة الدبلوماسية العامة في عدة أنشطة دعائية، أهمها التفاعل مع الشركات الخاصة والاتحادات الطلابية، لحثها على المشاركة في جهود الدبلوماسية الرقمية. كما تنشط في مجال رعاية وتوجيه متطوعي الإعلام الاجتماعي الداعم لإسرائيل حول العالم، من خلال تنسيق وتوجيه مشاركاتهم، بما يتلاءم ومخطط الدعاية المركزي.

ولأجل ذلك، قامت في فترات سابقة بإصدار نشرات خاصة، تحدد المفردات والتوجهات الدعائية الواجب استخدامها على نطاق عالمي، سواء عبر المنصات الاجتماعية، أو خلال المناظرات المباشرة.

وفيما يختص بــالتنقيب الدعائي، تتعاون وزارة الخارجية مع نظيرتها للشؤون الاستراتيجية، في تنسيق جهود الدعاية السيبرانية. فعبر الدمج بين القدرات الدبلوماسية للأولى، وقنواتها المتعددة من جهة، والمهارة البحثية والتشغيلية للثانية من جهة أخرى، صار ممكنًا تحقيق مبدأ توزيع المهام، وممارسة قاعدة التركيز الدعائي؛ ما يعني أن الثانية باتت مصدرًا معلوماتيًّا للأولى، أو بوصلة توجيه، تحدد لها أي المناطق في العالم تحتاج إلى جهد دعائي بلون دبلوماسي.

إلا أن ذلك لا يعني غياب الفروق بينهما، خاصة مسلك التنفيذ. ففي حين تنتهج وزارة الخارجية أسلوبًا قائمًا على الحوار، تتبنى الثانية مدخلًا أمنيًّا يعتمد على الرقابة، وبأساليب ناعمة أكثر عدائية.

وإذا نظرنا إلى هيكلية مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، نجدها تضم عدة إدارات وهيئات، تختص كل منها بمهام شبه متداخلة إلا أن أهمها، إدارة المعلومات الوطنية التي تهتم بتنسيق أنشطة الدبلوماسية العامة لمختلف الهيئات والوزارات الحكومية الإسرائيلية في مجالات الأمن، والسياسة الخارجية، والقضايا الاقتصادية-الاجتماعية.

وإدارة المعلومات الوطنية، التي تم إنشاؤها عقب حرب لبنان عام 2006، كإحدى توصيات لجنة فينوغراد، تتقاطع مع مختلف الوزارات بشكل يومي، وتحدد لها الرسائل الأساسية، لتجنب أي تعارض بينها.

ويمكن القول: إن إنشاءها جاء لمعالجة وتدارك انهيار صورة إسرائيل على الصعيد الدولي من خلال إشرافها على توحيد الرواية الداخلية أمام العالم.

وبهذا الصدد، يشير كل من ميچن سليلا(Magen Clila) وإفرايم لابيد (EphraimLapid)، إلى أن جزءًا من توصيات لجنة "فينوغراد" توجه نحو تأسيس وحدة تُعنى بتنسيق أعمال الدعاية والمعلومات عبر الوسائل الإعلامية التقليدية والجديدة، إضافة إلى الأذرع الدبلوماسية.

وفيما يتعلق بالدعاية السيبرانية، ترعى الإدارة عددًا من الصفحات على مواقع الإعلام الاجتماعي، كصفحتي رئيس الوزراء، والناطق باسمه للإعلام العربي، كما تنشط في تشكيل غرف مخصصة للنشطاء المحليين، خاصة أوقات الطوارئ بهدف الاستفادة من خبراتهم وقدراتهم.

كما تسعى الإدارة نحو إقامة صلات مع شخصيات وهيئات غير حكومية ناشطة داخليًّا وخارجيًّا، لتوجيه أنشطتها، بشكل يخدم مسعى الدعاية الرسمي.

ونستنتج هنا، أن مهام الدائرة في مجال تنسيق وضبط الرسالة الدعائية، تتجاوز المؤسسات الحكومية لتمتد نحو المدونين والنشطاء، وأية مؤسسة تنشط في دعم إسرائيل.

وبهذا الخصوص، أطلقت إسرائيل، في العام 2017، تطبيقًا يتيح لنشطاء الإعلام الاجتماعي عبر العالم المشاركة في جهود الدعاية الإسرائيلية، وهو يحتوي على ما يقارب 30 مهمة، يُطلب من المشتركين الانخراط فيها بطرق متنوعة (إعجاب، مشاركة، تعليق، إعادة تغريد، توقيع عرائض، تقديم شكاوى...إلخ).

ويسمح المشروع الذي وُصف بـ"قبة الحقيقة الحديدية" أيضًا بمشاركة مواد إعلامية منحازة لإسرائيل، أو تقديم شكاوى ضد فعاليات نشطة على مواقع، مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب، أو حتى توجيه مراسلات لشخصيات وهيئات دولية تطالبها بوقف تحيزها ضد إسرائيل.

ونستنتج هنا، أن المشروع الذي يأخذ شكل تكليف جماعي، يحاول مركزة عمل الدعاية الجماهيرية عبر توجيه أنشطة الأفراد بشكل منسق كي يخلق كثافة دعائية تبدو وكأنها صادرة عن رأي عام شبكي حقيقي. 

    

ب- أذرع عسكرية

يضم الجيش الإسرائيلي عددًا من الهيئات والأقسام التي تنخرط في الجهد الاتصالي للتأثير النفسي، حيث تتوزع على مختلف الأذرع، خاصة قيادة الأركان، وشعبتي العمليات والاستخبارات. وتتنوع مهام كل منها، بحسب التوزيع المعتمد للمهام الدعائية.

فمثلًا، تنشط هيئة (Sigint8200) في مجال الجمع الاستخباري على الشبكات الاجتماعية، وتضم قاعدة بياناتها -إلى جانب المعلومات الأمنية- معلومات سياسية وشخصية، تُستخدم في جهود تضليل الجماهير والساسة حول العالم.

والهيئة -التي تتخذ من مقولة: "كل البيانات متاحة" مبدأ لها- لا تراعي مسائل الخصوصية، وتعتبر جميع أنواع المعلومات ذات أهمية، وإن تأجل ظهور تأثيرها.

وهنا، نستطيع تمييز نوعين من المعلومات ذات جوهر دعائي: النشطة والخاملة. فالأولى مخصصة للاستخدام بشكل سريع، خدمةً لمساع متنوعة، كتجنيد العملاء، أو تطبيق أساليب دعائية خلال زمن فعلي. أما الثانية، فاستراتيجية، تُحفظ لاستغلالها لاحقًا، بحسب نوع التطور الذي قد تشهده البيئة المستهدفة.

ونستنتج مما سبق أن الهيئة قد تمارس التنقيب الدعائي لأجل الحصول على معلومات ذات طبيعة جماهيرية -بغض النظر عن نطاق تمركزها الشبكي الجغرافي- ثم تمريرها للجهات المختصة بعد تحليلها بهدف تسخيرها في جهود الدعاية السيبرانية المركزية. أي إن عملها قد يشكِّل حلقة من سلسلة وظيفية متكاملة، تبدأ بالجمع وتنتهي بالاستغلال.

ويتبع قسم عمليات الوعي إلى شعبة العمليات في هيئة الأركان، وينظم أعماله إداريًّا معها؛ أما مهنيًّا فينسق مع شعبة الاستخبارات العسكرية، ناهيك عن ترتيب بعض مهامه في مجال الدعاية الدفاعية مع وحدة الناطق باسم الجيش، ويُعتبر مسؤولًا عن الدعاية بمستواها العملياتي والتكتيكي خلال الحروب. لكن في الآونة الأخيرة، طوَّر القسم من نطاق عمله ليشمل التأثير على وسائل الإعلام، والرأي العام المحلي والدولي، رغبةً منه في دعم أنشطة الجيش على جميع المستويات ما يعني ضمه للعمليات "الناعمة" خلال فترات الهدوء.

كما طوَّر الجيش الإسرائيلي أساليب جديدة للتأثير في وعي الجماهير على مواقع الإعلام الاجتماعي، حيث يتولى القسم تنفيذ أشكالها الخفية. فعلى سبيل المثال، يرعى القسم تنفيذ أنشطة التلاعب المعلوماتي تحت ستار خفي بهدف ممارسة التضليل، أو التأثير في المنظومة الإدراكية لمستخدمي الشبكات الاجتماعية.

وفي سياق آخر، تنشط وحدة الناطق العسكري داخل شعبة العمليات، ويُعتبر قائدها عضوًا في هيئة الأركان، كما تضم عددًا من الناطقين بمختلف اللغات، إضافة لعدة فروع، منها فرع استراتيجي، وآخر إعلامي ينشط في الاتصال الشبكي من خلال إدارة مختلف المواقع والصفحات والمدونات الخاصة بالجيش.

ومنذ انطلاقة فرع الإعلام الاجتماعي عام 2009، تزايد حضور الناطق على شبكات التواصل بهدف الانفتاح على جمهور دولي، تحقيقًا لنتائج مرغوبة على صعيد الترويج.

وفيما يخص العمل الدعائي، تنتهج الوحدة أسلوبًا علنيًّا مباشرًا، يقوم على استغلال الحقائق، دون أي تلاعب، في محاولة لتمييز نفسها عن قسم عمليات الوعي الذي ينتهج أساليب دعائية تتراوح بين الدعاية السوداء والرمادية؛ ما يعكس رغبتها في الحفاظ على مصداقية رسائلها أمام الجمهور عبر الاكتفاء بممارسة الدعاية البيضاء.

لهذا، تستخدم الوحدة أساليب منوعة، كنشر مواد جذابة بصريًّا، وبث مشاهد لجولات عسكرية أو تدريبية، إضافة لانخراطها في جهود "الهاسبارا" بمختلف اللغات...إلخ.

وبالحديث عن الدبلوماسية العامة، يشير كل من صمويل أزران (Samuel Azran) وموران يارتشي (Moran Yarchi)، إلى انخراط الوحدة في "الدبلوماسية العامة العسكرية" عبر الإنترنت لرغبتها في إقامة اتصال ثنائي الاتجاه مع الجمهور، خاصة العربي، الذي يقوم عليه أفيخاي أدرعي؛ كما تهتم بنشر تقارير خاصة عن عمليات الجيش لوسائل الإعلام، والجمهور الشبكي، لإبراز قيم إنسانية وأخلاقية يتحلى بها.

بالإضافة إلى ما سبق، تمارس الوحدة التنقيب الدعائي وفق المعلومات التي توفرها مختلف الأذرع الأخرى، كهيئة 8200، أو تلك التي تحصل عليها بواسطة العاملين فيها. أي تمارس جهدًا اتصاليًّا دعائيًّا مكملًا لأنشطة الهيئات التقنية الأخرى.

أما وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية فتتبع لوزير الدفاع ويرأسها عضو في هيئة الأركان، كما تضم مكتبًا إعلاميًّا يشرف على موقعها الإلكتروني وصفحاتها على مواقع الإعلام الاجتماعي.

وفيما يخص الدعاية، تسعى الوحدة إلى فتح حوار مباشر مع الجمهور الفلسطيني أملًا في تحسين وترويج صورة إسرائيل من جهة، وتحقيق نتائج على المستوى الاستخباراتي من جهة أخرى. ويمكن وصف الجهد الدعائي لصفحة منسق أعمال الحكومة على شبكة فيسبوك بكونه استثمارًا في الأنشطة المدنية لأجل تجفيف منابع البيئة الشعبية الحاضنة للمقاومة عبر استغلال الحالة الاقتصادية والمادية المتردية. لذلك، غالبًا ما تنشر مواد دعائية مرتبطة بحياة السكان.

وبالعودة إلى التنقيب الدعائي، وبعد تفحص عدد من منشوراتها، نتأكد من تلقي صفحة منسق أعمال الحكومة لمعلومات محدثة عن تطورات الوضع في قطاع غزة، خاصة الإنسانية منها. فمن الواضح أن الأجهزة التي تُعنى بالرصد والجمع، تزودها بالمعلومات دوريًّا، خاصة تلك التي يصلح توظيفها في مجال الدعاية السيبرانية؛ الأمر الذي يؤكده وجود مقاطع حدودية وجوية.

وفي نقطة أخرى، تستفيد الدعاية الإسرائيلية من الحالة النفسية للجمهور الفلسطيني. فعبر مراقبة المنشورات، ذات صيغة "التعبير الذاتي"، تستطيع صفحة المنسق، وغيرها، التعرف على الموضوعات التي تشغل عقول الأفراد، وتؤثر في حياتهم، ما يسمح لها بتوجيه دفة الدعاية نحوها أملًا في إيجاد حالة من الاستجابة والتفاعل النفسي مع رسائلها.

لهذا، فإن مراقبة ما يصدر عن المواقع الاجتماعية، وضمن نطاق جغرافي محدد، يسمح بالحصول على معلومات لحظية، من غير الممكن الحصول عليها إلا بعد وقت، ما يؤخر جهود استغلالها الفوري.  

التنقيب الدعائي الإسرائيلي خلال مسيرات العودة

أ- حجم التنقيب الدعائي

بالاطلاع على معطيات الجدول رقم (1)، يتبيَّن إحراز التنقيب الدعائي 142 تكرارًا، بنسبة 24.4% من إجمالي العينة التي بلغ عدد وحداتها 582 منشورًا، إضافة إلى نسبة 56.8% من إجمالي المواد التي تناولت مسيرات العودة، البالغ عددها 250.

وبالتدقيق أكثر في نسب المنشورات المرتبطة بالمسيرات، نلاحظ مجيء صفحة "الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي" أولى بنسبة 38%، بينما حلَّت صفحة "المتحدث باسم رئيس الوزراء، أوفير جندلمان" ثانيةً بنسبة 34.8%، تلتها صفحة "منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية" بنسبة 20.4%، وأخيرًا، صفحة "إسرائيل تتكلم بالعربية" بنسبة 6.8%.

جدول رقم (1) يوضح نسب ظهور التنقيب الدعائي

وبمقارنة تكرارات ظهور التنقيب الدعائي الكلية على صفحات الدراسة، مع التكرارات الكلية لمنشوراتها الخاصة بالمسيرات نلاحظ ارتفاع وتيرة توظيف التنقيب الدعائي، ليتجاوز النصف. فعند صفحة الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، مثلًا، سجل 57 تكرارًا من أصل 95، فيما أحرز 50 تكرارًا عند المتحدث باسم رئيس الوزراء، و26 عند منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية من أصل 51، و9 لدى صفحة إسرائيل تتكلم بالعربية من أصل 17.

ب- استغلال المحتوى الفلسطيني

عند متابعة عشرات الصور ومشاهد الفيديو التي ظهرت على الصفحات الإسرائيلية محل الدراسة، نجد أن مصدر معظمها يرتبط بصفحات فلسطينية؛ وكأن الدعاية الإسرائيلية "تتغذى" على ما تنشره هذه الصفحات من محتوى.

فالعديد من المنشورات الفلسطينية تضمنت موضوعات متنوعة، كإشعال الإطارات، ورشق الحجارة، وزيارات لمسؤولين، وزجاجات مولوتوف، وشهداء، وجرحى، واحتفالات تأبين، ومحاولات قطع أو اجتياز للخط الفاصل...إلخ. هذه الموضوعات خضعت لمعالجات إسرائيلية متنوعة، بحسب الهدف الدعائي المركزي. فمنها مثلًا، ما استُخدم لتكذيب أطروحات حركة حماس، وأخرى وُظِّفت لشيطنتها، أو تأكيد رواية استغلالها للأطفال والنساء كدروع بشرية، وهناك ما وُظِّف لربطها بجمهورية إيران، أو بالنازية.

ويمكن رد هذا الاستغلال، إلى تنوع مشاركات الناشطين الفلسطينيين، وقيامهم بنشر جل ما يوثِّقون على شبكة فيسبوك، بوعي أو بدونه، الأمر الذي خدم جهود إسرائيل على المستوى الدعائي. فعلى سبيل المثال، قامت صفحة "المتحدث باسم رئيس الوزراء" باستغلال تداول المستخدمين لصورة تجمع خمسة شهداء بلباس عسكري لضرب رواية سلمية المسيرات، والتأكيد على أنها ليست نابعة عن رغبة شعبية، وإنما تحركها جهات "إرهابية".

الصورة رقم (1) تبرز خمسة فلسطينيين بلباس عسكري لنزع الشرعية عن سلمية المسيرات

وفي مثال آخر، نشر ناشطون صورة لعلمي فلسطين يتوسطهما علم أبيض يحمل شعار الصليب المعكوف. هذا الخطأ، تلقفته إسرائيل لغرض شيطنة الفعاليات، عبر الادعاء بأنها تستقي أيديولوجيتها من النازية ذاتها.

ويمكن القول: إن شعار سلمية الفعاليات، وعدالة مطالبها، تتناقض إلى حد ما مع دلالات بعض المواد المرئية المنشورة، وهو ما يشير إلى غياب الوعي الكافي لدى البعض بثقافة الصورة.

ويستدعي التركيز الإسرائيلي على المواد المرئية تساؤلًا حول الفرق بينها وبين النصوص على صعيد العمل الدعائي. وهنا نرى أن المشاهد المرئية أكثر قابلية للتصديق من النصوص المجردة، التي قد تُكذَّب بسهولة.

وهذا يعني، انتهاج إسرائيل لاستراتيجية دعائية تعتمد مبدأ الحقيقة، أو أنصافها، خاصة وأنها تخوض حربًا لتحسين صورتها المتدهورة.

ويؤكد هذا الاستنتاج، ما أشار إليه ناكمان شاي (Nachman Shai)، من تحديد لآلية اشتغال "الناطق باسم الجيش الإسرائيلي" على المنصات الاجتماعية؛ حيث يرغب الجيش بالمحافظة على مصداقية ما يصدر عنه للجمهور، وبالتالي ينحصر دوره في ممارسة إجراءات بيضاء. لذلك، فالصورة أبلغ في إيصال الرسالة، كما أن مقدار مواجهتها أضعف مما قد يحتمله النص.

من جهة أخرى، لا يقتصر مفهوم استغلال المحتوى الفلسطيني على الاستخدام المجرد، بل يتعداه نحو إنتاج فنون أخرى؛ فالعديد من الصور ومقاطع الفيديو شكَّلت مادة ثرية لإعداد تصميمات تساعد على إيصال رسائل بصرية أكثر عمقًا.

فمثلًا، نشرت صفحة "إسرائيل تتكلم بالعربية" تصميمًا احتوى صورة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حاملًا قطعة من طائرة استطلاع إيرانية محطمة، ويقابلها في ذاتالتصميم صورة طائرة ورقية تحمل شعار النازية.

الصورة رقم (2) تظهر جهود القائم بالدعاية للربط بين حماس وإيران

هذا التصميم وُظف لخدمة هدف ربط حركة حماس بإيران، والادِّعاء بأنهما يشربان من كأس إرهابية واحدة. وجدير بالذكر، أن بعض المحتويات، وفرت فرصة لاتهام حماس باستخدام المدنيين كدروع بشرية؛ ما منح إسرائيل فرصة التأكيد على اتباع جيشها الإجراءات اللازمة منعًا لإلحاق الأذى بهم، وبالتالي إبراز علو أخلاقه، وسمو إنسانيته.

ج- عملية إعادة تأطير

تبيَّن خلال البحث، وجود عملية ممنهجة تقوم على إعادة تأطير المواد البصرية كي تخدم معنى دعائيًّا مرغوبًا، من خلال الاستعانة بتأثير النص. ويرى كارتر ماكنميرا (Carter McNamara) أن "إعادة التأطير" ما هي إلا عملية للخروج بتفسير مختلف للحدث، عبر تحويل منظور الشخص أو رؤيته للحدث باتجاه جديد، أو إلى زاوية أخرى.

وبالإسقاط على الصفحات الإسرائيلية، نجدها تتعمد اختيار صور ومشاهد ذات معنى مجرد، ثم ترفقها بنص مصوغ بعناية لإخراجها أو نزعها من إطارها الدلالي الأصلي، فتكتسب معنى آخر جديدًا ينسجم مع مضمون النص الدعائي. فعلى سبيل المثال، وظَّفت صفحة "منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية" صورة طفل فلسطيني يمسك زجاجة حليب وهو بوضعية شبه عارية، من أجل التأكيد على أن حماس تربي جيلًا من الأطفال لا يعرف سوى العنف والإرهاب. 

الصورة رقم (3) تبرز محاولة الدعاية الإسرائيلية وَسْم حماس بصناعة الإرهاب وتنشئة الفلسطينيين على العنف

وعند التدقيق في الصورة، دون اعتبار نصها المرفق، نجد أن لا دلالة تربطها بالإرهاب أو بحركة حماس، ولكن صفحة "منسق أعمال الحكومة" استغلتها بوصفها صورة ملتقطة خلال الفعاليات، من أجل حصرها داخل إطار، يعكس منظورًا جديدًا؛ أي إنه انتقل بها من إطار "الطفولة" إلى إطار "العنف والإرهاب".

حيدر المصدر، باحث في مجال الإعلام السياسي والدعاية

لقراءة الدراسة كاملة

أ ج

الموضوع الســـابق

حماس: "سلطة عباس" متواطئة لتنفيذ "صفقة القرن" ونحملها والاحتلال التداعيات

الموضوع التـــالي

طائرة إسرائيلية تقصف قرب مجموعة متظاهرين شرقي رفح

جاري تحميل الصفحة الرئيسة …
عاجل